تونس في خدمة القضايا الدولية

تونس في خدمة القضايا الدولية
الصورة: غرفة المجلس الاقتصادي والاجتماعي لباولو فيلجيراس

زفّت السّاحة الدبلوماسيّة بداية الشّهر الفارط خبر انتخاب تونس لعضويّة المجلس الاقتصادي والاجتماعي لمنظّمة الأمم المتّحدة بنيويورك لمدّة 3 سنوات، ابتداء من غرّة جانفي 2022 إلى غاية 31 ديسمبر 2024، وهي المرّة الثامنة التي تندمج بها الدّولة التونسيّة في هذا الجهاز الأممي الهامّ منذ انضمامها سنة 1956، أوّلها كان سنة 1970 بتمثيل السيّد رشيد دريس ثمّ على التّوالي سنة 1976، 1982، 1989، 1996، 2004، 2006 و2013. لقي الخبر تغطية إعلاميّة محليّة لافتة وشهد بذلك العديد من المشاركات على مختلف مواقع التّواصل الاجتماعي الرّسميّة وغير الرسميّة، مثيرا بعض التّساؤلات في أذهان الفضوليّين. لا مراء في أنّ خبر الانضمام خبر إيجابيّ بامتياز، لكّن لابدّ من التطرّق إلى فعليّة الامتيازات والفرص التي ستحظى بها البلاد والمنطقة بعده حتّى يتّم استغلالها أنجع استغلال، فدعنا نزيح غيمة الغموض عن ماهيّة، صلوحيّات ووزن هذا الجهاز من مجموع الأجهزة و منه نرتئي أهميّة أن تشغل بلادنا مقعدا من ضمنه.

يتألّف المجلس الاقتصادي والاجتماعي من 54 عضوا تنتخبهم الجمعيّة العامّة لمدّة ثلاث سنوات. لكلّ دولة عضو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي ممثّل (حسب المادة الـ 61) وتتوزّع المقاعد وفق التّمثيل الجغرافي. يتمّ التّصويت بالأغلبيّة البسيطة لينسب لكل ولاية صوت واحد، حيث يجتمع الأعضاء لمدّة شهر واحد من كل عام في دورات متناوبة بين جنيف ونيويورك، مع اجتماع خاص للوزراء يناقش أكثر القضايا إلحاحا. يعمل الجهاز من خلال نظام من اللّجان، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان (تمّ توسيع مشمولات المجلس ليشمل القضايا الإنسانيّة سنة 1998) ولجنة وضع المرأة (انتخبت تونس عضوة فيها بالإجماع خلال الفترة الممتدّة من 2022 إلى 2026)، التي تهمّ المنظّمات غير الحكوميّة بشكل خاص. 

يتعلّق برنامج عمل المجلس الاقتصادي والاجتماعي الحالي أساسا بمكافحة الفقر، التّنمية في أفريقيا وآثار العولمة بالإضافة إلى تعزيز العلاقات مع البنك الدولي وصندوق الّنقد الدولي، فهو بصفة أشمل يهدف إلى تحقيق أغلب أهداف التنمية الـ17 المبرمجة  لسنة 2030. أعطت القمّة العالميّة لعام 2005 المجلس وظيفتين جديدتين هما الفحص الوزاري السّنوي من ناحية ومنتدى التّعاون الإنمائي من ناحية أخرى. حيث تعمل هاتان الوظيفتان  في مجملهما على دراسة التّقدّم المحرز من قبل التّعاون الدّولي ورموزه في مجال التنمية، وبذلك يقوم المنتدى بصياغة مبادئ توجيهيّة عامّة وتوصيات تهدف إلى جعل تعاون الجهات الفاعلة في الإنماء أكثر فاعليّة.

عمل الجهاز على عدّة مشاريع  بالقرن والرّبع الماضيين في الميدان الاقتصادي والاجتماعي وحتّى الإنساني، حيث يمكن تقفّي أثر مخرجاته الاقتصاديّة خاصّة بعد الأزمة التي شهدها العالم سنة 2008، مخرجات ومقترحات تتمّ متابعتها من قبل المختصّين في كل لجان الموّكلين بالعمل على دولة أو منطقة معيّنة. ما يجب تسليط الضّوء عليه بهذا الصدد هو أهميّة الشّراكة مع المنظّمات غير الحكوميّة والمجتمع المدني لتحقيق مبتغيات المخرجات. ويجدر الاشارة أنّ انضمام دولة إلى المجلس مشروط بمدى تعاونها وإبرازها ملامح الجديّة والتفاني في المدّ بالمعطيات. ويخصّ هذا المقتضى خاصّة الدول الافريقيّة ودول الشرق الأوسط، إذ عانى الجهاز طيلة سنوات عدّة عراقيل في علاقته بالنفاذ للمعلومات المكتوبة والموثوقة. ليس في هذا دليل على تقاعس المجتمع المدني بالدول العربيّة بالأساس، فالمنظّمات في هذه البلدان كغيرها تسعى جاهدة لتحقيق المساعي، لكن وحسب استفتاء قام به المجلس سنة 2007 لمختلف المنظمات غير الحكوميّة بالدول العربيّة أجمع 38 % من ممثّليها أنّ أهّم المشاكل التي تحول دونها ودون تعاونها المرجوّ مع الجهاز تبرز في جمود النّظام القانوني والسّياسي، عدم وجود رؤية واستراتيجيّات شاملة تحدّد أنشطة المنظّمات غير الحكوميّة، المعوقات المتعلقّة بالموارد البشريّة والماليّة وعسر تقصّي المعلومات والنّفاذ إليها ناهيك عن فشل المنظومة الاتصالية نظرا لضعف آليّاتها. كانت تونس واحدة من الدول المستجوبة حينها، ويمكن التفّطن إلى أنّها كانت واحدة من الأعضاء المنتخبين في تلك الفترة الممتدّة من 2006 إلى 2008، ولكن لا يجب أن نغفل على ماهيّة الوضع السياسي للبلاد في تلك الفترة، ومدى مصداقيّة المعلومات المتوّفرة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي في ظلّ نظام ديكتاتوري.

أما بعد ما يسّمى بثورات الربيع العربي فقد تغيّرت العديد من المعطيات فيما يخّص التعامل مع المجتمع الدولي. لعلّ أبرز تبعات هذا التغيّر تكمن في التشّدد اللامحدود في معايير تقييم المعلومات ومصادرها. بيد أنّ تونس ورغم صعوبة المرحلة التي تواجهها نجحت في تخطّي هذا المعيار، إذ أثبت المجتمع المدني في السنوات التي سبقت ثورة 2011 بعمله المضني جديّته وعزمه لتجاوز الأزمة، عامل عزّز ثقة باقي البلدان في المثال التّونسيّ ممّا أثمر حصوله على 183 من أصل 186 صوت. في نفس السّياق، وجب التيّقن أنّ حصول بلادنا على مقعد ضمن المجلس ليس باللقب التشريفيّ، ويمكن استجلاء الفرق بذكر مثال قضايا انتهاك حقوق الإنسان التي بعثت للمجلس سنة 2009 فترة انتهاء عضويّتنا والتي لم يتم التطّرق اليها نظرا لعدم إمكانيّة بعث مطالب فرديّة، كذلك الدراسات والبحوث الاقتصاديّة منها والاجتماعيّة التي ستسنح الفرصة لأبناء الوطن للقيام بها بدلا من التعويل على بعثات الباحثين الأجانب .

   يمكننا للحوصلة التوّصل إلى جملة من الاستنتاجات، أهّمها قيمة مساهمات المجتمع المدني والباحثين في إحراز التقدّم في 

الميادين التي يهتم بها المجلس، فرغم كل العوائق ذات الطابع السياسي بالأساس الحائلة دون تحقيق المخططات إلا أنّ حجم المجتمع المدني وتأثيره على المسارات الداخليّة بات لاينكفّ عن المضيّ في نسقه التصاعديّ حيث يمكن التجرّأ بالجزم بأنّ هذه المنظمات وما يتبعها من أفراد .هم الثمار الطازجة للثورات ومستقبل ازدهارها 

:المصادر

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *